الشيخ محمد رشيد رضا

139

الوحي المحمدي

ترجيح فضائل القرآن على الإنجيل نحن ( المسلمين ) نؤمن بأن إنجيل المسيح عليه السلام هدى ونور بشهادة القرآن له ، وإن كنا لا نعرفه ، وإنما نؤمن أنه هداية خاصة مؤقتة . . لا عامة دائمة . وإن اللّه تعالى إنما أكمل دينه ووحيه بالقرآن . ففضائله أتمّ وأكمل . وأعمّ وأشمل . وأبقى وأدوم . وأذكر فضيلتين من فضائل الإنجيل يزعم النصارى أن ما هو مأثور عندهم فيهما أكمل وأفضل مما جاء به الإسلام ؛ ( الأولى ) : قول المسيح عليه السلام : « أحبوا أعداءكم ، باركوا لاعنيكم ، أحسنوا إلى من يبغضكم ، ومن ضربك على خدّك الأيمن فأدر له الأيسر » « 1 » ، ومن المعلوم بالبداهة أن امتثال هذه الأوامر يتعذر على غير الأدلة المستعبدين من الناس ، وأنه قد يكون من أكبر المفاسد بإغراء الأقوياء بالضعفاء الخاضعين ، وإنك لتجد أعصى الناس لها من يسمون أنفسهم بالمسيحيين . أمثال هذه الأوامر لا تأتى في دين الفطرة العام لأن امتثالها من غير المستطاع ، واللّه تعالى يقول : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [ البقرة : 286 ] ، وإنما قرر القرآن في موضوعها الجمع بين العدل والفضل والمصلحة . قال تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 40 ) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ( 41 ) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 42 ) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [ الشورى : 40 - 43 ] . ولا يخفى أن العفو والمغفرة للمسيء إنما تكون من القادر على الانتصار لنفسه ، وبذلك يظهر فضله على من عفا عنه ، فيكون سببا لاستبدال المودة بالعداوة ، في مكان الإغراء التعدي ودوام الظلم ، ولذلك قال تعالى : وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ( 34 ) وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [ فصلت : 34 ، 35 ] . فانظر كيف بين مراتب الكمال ودرجاته من العدل والفضل ، وكيف استدل عليه بما فيه من المصلحة وحكم العقل ، أفليس هذا الإصلاح الأعلى على لسان أفضل النبيين والمرشدين دليلا على أنه وحى من اللّه تعالى قد أكمل به الدين ؟ بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ، لا يجحده إلا من سفه نفسه فكان من الجاهلين .

--> ( 1 ) راجع هذه الأوامر في أواخر الفصل الخامس من إنجيل متى .